الرئيسية / غير مصنف / القرن الأفريقي و المخاض الصعب للنهوض

القرن الأفريقي و المخاض الصعب للنهوض

نبيل البكيري[1]    

يحتل القرن الأفريقي مكانا مميزا على الخارطة الجيوسياسية  العالمية، لموقعه و تنوعه وخيراته وثرواته ، ولجغرافيته وديمغرافيته معا، مما جعله  محط أطماع دائم للقوى الدولية منذ فترة مبكرة، إذ تعرضت دول القرن الأفريقي للإستعمار كغيرها من دول أفريقيا والضفة المقابلة له كاليمن وعمان و الهند وغيرها.

، لكن الاستعمار في القرن الأفريقي لم يرحل بمجرد خروج جيوشه وإنما بقى يدير هذه البلدان بتفجير الصراعات البينية  و تقسيمها وتفتيتها من الداخل و تقاسم النفوذ فيها بين بريطاينا وفرنسا وإيطاليا وحاليا أمريكا وروسيا وإسرائيل مؤخرا، مما أدخل هذه البلدان في صراعات أهلية طاحنة، لم تتعافى منها حتى هذه اللحظة التي تحاول أن تتجاوزها بصعوبة .

ومع هذا ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من بداية تعافي واضح  فيى هذا المرحلة وهي خطوة في طريقها الكثير من العقبات والعوائق، التي يحاول أبنائها اليوم تجاوزها وتحديها وتحدي كل من يقف خلف هذه العقبات الكبيرة من قبيل دعم الجماعات الإرهابية والحركات الانفصالية التي تعج بها منطقة القرن الأفريقي.

فمع صعود نجم الزعيم الأثيوبي الشاب أبي أحمد ووصوله لسدة رئاسة الوزراء الأثيوبية وقبله حالة التعافي الصومالية النسبية ، والمنطقة تشهد فعلا محاولة تعافي حثيثه توجت بصعود وانطلاقة أبي أحمد لقيادة هذا التعافي الأفريقي الهام، بالنظر إلى ما تمثله هذه المنطقة من أهمية عالمية جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا.

نتفائل كثيرا ككل سكان القرن الأفريقي، ولكن هذا التفاؤل ينبغي أن يصحبه الكثير من العمل والتخطيط والإقدام من قبل الجميع وفي مقدمتهم نخب القرن الأفريقي وخاصة المهاجرة منها، و التي يجب أن تكون قد استفادت من دروس الماضي الصعبة والقاسية التي مرت بها شعوبهم ودولهم  من الحروب الأهلية والصراعات والمجاعات والتشرد واللجوء الذي عاشه أبناء القرن الأفريقي على مدى العقدين الماضيين.

صوماليا، صحيح أن الأوضاع لا تزال صعبة والتحديات الأمنية كبيرة، لكن أعتقد أن المحاولات الحثيثة لتجاوز كل ذلك وإن كانت بسيطة ومتواضعة تبقى خطوة مهمه  لمواجهة التحديات والمعوقات التي لا يمكن مواجهتها بالتنظير والتحليل المجرد بقدر ما يكون ذلك بالخطوات العملية على أرض الواقع حتى نختبر مدى قدرة الفعل على مواجهة التحديات  وقابلية الناس لتغيير وإعادة الحياة إلى طبيعتها في بلاد مزقتها الحروب ودمرتها الصراعات الطاحنة.

باعتقادي، أن الشعوب التي عاشت ويلات الحروب لديها القابلية الكبيرة في التعاطي مع أي جهود تسعى لاستعادة الحياة إلى طبيعتها لأنها أي هذه الشعوب، لديها من التجارب المريرة الكثير ما يجعلها ترفض العودة مجددا إلى عالم الصراعات مجددا، فقط ما ينقص هذه الشعوب هو وجود القيادة التحويلية الوطنية التي ينبغي أن تكون عند مستوى هذه اللحظات المفصلية في حياة شعوبها، وباعتقادي أن التجربة الروندية اليوم أوضح مثال على ذلك وقبلها التجارب العديدة في الشرق والغرب لشعوب عاشت مرارة الحروب والصراعات ولكن كانت هذه الحروب هي ظروف استثنائية في حياتها وإنما الطبيعي هو السلام والبناء  والاستقرار والتنمية.

أنا هنا، كلي ثقة اليوم، كيمني يمر بنفس المأزق الذي مرت به شعوب منطقة القرن الأفريقي منذ عقدين مضت، بفعل الحرب الدائرة اليوم في اليمن، لكني اليوم أجد أن الآمل الكبير لنا كيمنين يأتي لنا من الضفة الأخرى لنا وعمقنا التاريخي والحضاري، ممثلا بالقرن الأفريقي و  حالة التعافي التي تعيشه شعوبه ، كنموذج لشعوب عانت ويلات الحرب والتشرد وها هي اليوم في طريقها للتعافي والنهوض من جديد بفعل قيادة شابه لديها التجربة والخبرة الكافيتين للنهوض.

فمن خلال متابعتي البسيطة للمشهد السياسي والإعلامي للشباب الصومالي ولحد ما الأثيوبي والأرتيري ، أجدني متفائل جدا، لحالة الوعي السياسي الكبير الذي بدأ يتشكل ويتفتق على خلفية المعاناة التي عاشها هؤلاء الشباب وأسرهم طوال العقدين الماضيين، مما ينبئ أننا أمام جيل جديد خالي من كل العقد والحسابات الضيقة التي أوصلت بلدانهم إلى ما وصلت إليه من إقتتال وحروب أهلية طاحنة، أراقب نشاط وتفاني هؤلاء الشباب في التحصيل العلمي والتفوق الدارسي والإبداعي وما يتمتعون به من قيم وأخلاق عالية ووطنية هوياتية تكبر كل يوم للإعتداد بأوطانهم  والعمل على إنتشالها  وتقدمها ورفعتها رغم كل المعوقات والتحديات.

ورغم كل ذلك، وحتى لا نفرط في التفاؤل فإنني أقول أن التحديات الكبيرة التي تقف أمام نهوض شعوب منطقة القرن الأفريقي هي الأكبر على الإطلاق، و هي تحديات يتحد فيها الجميع لإبقاء هذه المنطقة تحت هيمنة وقبضة القوى الدولية ووكلائها الصغار المحليون اليوم، الذي لايتجاوز عمرهم السياسي، أحد المباني الحديثة في إحدى مدن القرن الأفريقي، كأسمرة أو مقديشو أو أديس أبابا.

ولجسامة التحديات أمام نهوض هذه البلدان ينبغي  أن يكون العمل على قدر هذه التحديات من خلال خلق حالة اصطفاف وطني عريض وتنسيق مع كل القوى الوطنية والمحلية، ولا يستطيع خلق مثل هذه الاصطفافات كالمبادرات الشبابية والأهلية التي يجب أن تتفعل بشكل كبير خلال هذه المرحلة من خلال إقامة الأنشطة والفعالية المشتركة وتبادل الزيارات الشبابية بين شباب هذه البلدان والإطلاع على تجارب الشعوب التي مرت بنفس مأزق شعوب القرن الأفريقي للإستفادة منها وعدم تكرار أخطائها.

وختاما، لا أنسى هنا أن أذكر بالدور الكبير والمحوري والإستراتيجي الذي تمثله و تعلبه مراكز الأبحاث والدراسات، ووسائل الإعلام المهنية والمهدفة، في استنهاض هذه الشعوب وخلق الفرص ومواجهة التحديات، فمراكز الدراسات تلعب دورا جوهريا في إعادة الاعتبار للذاكرة الجمعية الوطنية  وترميمها و معالجة التشوهات التي طرأت عليها، فضلا عن فتح أفاق النهوض واستشكاف المتاحات وتخليق الإمكانات بالتصورات العلمية  وخرائط التفكير الجادة والدقيقة للعمل الجاد والاستراتيجي الذي تحتاجه دول القرن الأفريقي في هذه المرحلة المفصلية والتاريخية في تاريخ شعوب هذه المنطقة الهامة من العالم.

[1] صحفي وباحث وناشط سياسي يمني

عن قلم التحرير

شاهد أيضاً

تفجير البلدية

ما الذي دفع امرأة الى تفجير نفسها في بلدية مقديشو؟

الكاتب/ سعيد طيب كان الطبيب “جوزيف غوبلز “الرجل الثاني في هرم الدولة الألمانية (النازية) وزيرا …