الرئيسية / تنمية / التنمبة الإقتصادية / التقرير الشهري: أزمة الديون الصومالية وإعفاؤها

التقرير الشهري: أزمة الديون الصومالية وإعفاؤها

عمر علي باشا[1]

مقدمة:

في مؤتمر لندن طلب الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو في مايو 2017 من العالم اعفاء الديون الثقيلة على الصومال لكي يستمر النمو الاقتصادي الصومالي بشكل سريع. ويعتبر الصومال الان من الدول الهشة التي تتعافي من الحروب الاهلية، في طور تأسيس الدولة Building state. ويسعى القادة الان الى تقوية العلاقات الخارجية وإعادة الثقة بين الحكومة الصومالية التي تتربع في اسفل القوائم والمؤشرات الاقتصادية والشفافية العالمية ومؤشر الفساد، وبين الدول والمؤسسات العالمية. ومن جانب اخر تحاول الحكومة الصومالية توفير الأجواء المناسبة في كسب هذه الثقة، بحيث تحاول تحقيق الشروط المطلوبة منها، مثل الإصلاح المؤسساتي والاقتصادي ومحاربة الفساد، وتقوية المؤسسات السيادية وتوفير الخدمات. وتجادل الحكومة الصومالية بانه من الضروري ان يتم اعفاء الديون من الصومال لكي يتم التعامل معها وفق شروط جديدة باعتبارها دولة قادرة على اخذ ديون جديدة. ويقدر حجم الديون على الصومال ب 5.3 مليار دولار. ومع ذلك فان صندوق النقد الدولي لن يقرض الصومال أموالا حتى يتم سداد 352 مليون دولار من الديون المستحقة للمنظمة. واعترف الصندوق النقد الدولي الحكومة الصومالية عام 2013 وكانت هذه الخطوة تمهد الطريق لاستئناف العلاقات بعد انقطاع دام اكثر من عشرين سنه. وعلى الرغم من ان الصومال كانت عضوا في الصندوق النقد الدولي مند أغسطس 1962، فان سنوات الحرب الاهلية كانت تعني عدم وجود جهة سيادية يمكن للصندوق التعامل معها، ولهذا فقد جمدت العلاقات بهذا الشكل.

يعتبر تراكم الدين الخارجي ظاهرة عادية في الدول النامية في مرحلة التنمية الاقتصادية حيث يكون عرض المدخرات المحلية منخفض، وعجز مدفوعات الحساب الجاري مرتفع، وواردات رأس المال مطلوبة لزيادة المحلية. وبرغم ان الاقتراض الأجنبي يمكنه ان يكون مفيدا للغاية من حيث تزويد بالموارد الضرورية لدفع النمو الاقتصادي، الا انه له ثمنه. وقد اصبح ثمنه يتجاوز المنافع بمراحل بالنسبة للعديد من الدول النامية. وكان الثمن الأساسي المشترك مع تراكم دين خارجي كبير هو خدمة لدين. وخدمة الدين هي أقساط استهلاك الدين (أي تصفية الدين الأصلي) وفائدة متراكمة. انها مطالبة تعاقدية ثابتة على الدخل القومي الحقيقي والمدخرات. ومع تزايد حجم الديون ولان معدلات الفائدة ترتفع فان مدفوعات خدمة الديون تزداد أيضا. ومدفوعات خدمة الدين يجب ان تسدد بالعملة الأجنبية. وعلاوة على ذلك أصبحت مشكلة الديون مشكلة عالمية في ظل المضمون الاقتصادي الخطير لكل من الدول المتقدمة والدول الأقل تقدما. وقد قدمت العديد من المقترحات او الحلول لتخفيف او إعادة هيكلة أعباء الديون الدول ذات المديونية العالية. وقد تراوحت هذه المقترحات ما بين تخصيص جديد لحقوق السحب الخاصة وإعادة الهيكلة (بشروط افضل لصالح الدول المدينة) بتخفيض دفعات الأصل المستحقة خلال فترة تجميد متفق عليها. واكثر العروض اللافتة للانتباه كانت اتفاقية نادي باريس، بعرضها لشروط ميسرة لحد كبير، يطلق عليها شروط تورنتو. وكانت هذه الاتفاقات الثنائية للقروض العامة تسمح للحكومات الدائنة بالاختيار ما بين ثلاثة بدائل لاختيارات التيسير- الإلغاء الجزئي لثلث القروض غير الميسرة، او تقليل معدلات الفائدة، او فترة الاستحقاق ممتدة للدفعات ٢٥ سنة- لتوليد مدخرات من السيولة النقدية لدى الدول المدينة. واعتبار من هذه الاختيارات الثلاثة فان الحكومة الصومالية تسعى بشكل كبير الى الغاء الديون.

في هذه المقالة سنناقش ازمة اقتصادية كبيرة، باتت تهدد الاقتصاديات الدول النامية، وهي ازمة الديون، والتي أصبحت من اكثر الازمات العالمية تأثيرا على الاقتصاديات الدول النامية مند السبعينيات القرن العشرين وعلاوة على ذلك اصبح نقاش الديون حاضرة في كل مرة يتحدث بها الاقتصاديون عن المشاكل الاقتصادية في الدول النامية. ويرى بعض الاقتصاديين ان مشكلة الدول النامية ليست من قبل الديون وانخفاض الإنتاجية وحسب، بل ان سياسات الدول المتقدمة وكذلك المؤسسات المالية متورطة أيضا، بحيث تضع الشروط والعراقيل امام الدول النامية إضافة الى توفير الديون كمصيدة بغرض الابتزاز. عموما وبعد الضغط قدمت الصندوق النقد الدولي مبادرة سميت ب مبادر البلدان الفقيرة المثقلة بالديون HIPC وهي عبارة عن 37 دولة نامية ذات مستويات مرتفعة من الديون المتراكمة، والتي هي مؤهلة للحصول على مساعدة خاصة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وهذه المبادرة بدأت من قبل الصندوق النقد الدولي IMF عام 1996 بعد ضغوط مكثفة من قبل المنظمات غير الحكومية وغيرها من الهيئات، ويوفر تخفيف عبء الديون والقروض المنخفضة الفائدة لإلغاء او تخفيض سداد الديون الخارجية الى مستويات مستدامة، مما يعني ان تسدد الديون في الوقت المناسب في المستقبل. انطلاقا من هذه المبادرة فأننا سنتحدث هنا عن عبء الديون ومفهوم الغاء الديون وكيف يؤثر الديون اقتصاد الدول بشكل عام؟

المصطلحات الأساسية:

عبء الديونDebt Burden : هي عندما تكون دين الدولة كبيرا الى درجة يصبح من الصعوبة دفعها، او التمتع بالخدمات التي تقدمها الدول او المؤسسات الدائنة.

الغاء الديون Debt Cancellation: هي أقصى درجات الاعفاء من الدين ومن خلال يتم اعفاء سداد فوائد واصل الدين تماماً.

الناتج المحلي الاجمالي GDP: هو احد المؤشرات الرئيسية المستخدمة لقياس حجم الاقتصاد لدولة ما، ويمثل اجمالي قيمة الدولار لجميع السلع والخدمات المنتجة خلال فترة زمنية محددة.

الميزان التجاري: هو الفرق بين القيمة النقدية لصادرات دولة ما ووارداتها خلال فترة زمنية محددة. 

مؤشر الفسادCPI: هو مؤشر ينشر سنويا من قبل منظمة الشفافية الدولية منذ عام 1995 ويصنف البلدان حسب مستوياتها المتصورة من فساد القطاع العام، على النحو الذي تحدده تقييمات الخبراء واستطلاعات الرأي.

النمو الاقتصادي: هو زيادة في القيمة السوقية المعدلة حسب التضخم للسلع والخدمات والتي ينتجها الاقتصاد بمرور الوقت. يتم قياسه على انه النسبة المئوية للزيادة في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي.

اقتصاد الصومال- صورة عامة:

يعتبر الصومال من الدول الأقل نموا، وذلك لأسباب منها هشاشة مؤسسات الدولة وعدم توفير البيانات المطلوبة، لذلك من صعب إيجاد المعلومات الواضحة والتي تساعد في تقييم وضع الحالة الاقتصادية في الصومال.

عند الاستقلال، كان الاقتصاد الصومالي بالقرب من مستوى متدني جدا، وكانت الدولة الجديدة تفتقر الى القدرة الإدارية لجمع الضرائب من الرعاة والمزارعين، وكانت تعتمد على الضرائب الجمركية من التجارة الخارجية، ولكنها في النهاية لم تعد تلبي احتياجات المدفوعات الحكومية، ولهذا اعتمدت الحكومة الصومالية الدعم من الحكومة الإيطالية والحكومة البريطانية، بحيث تدفع حوالي 31  في المائة من الميزانية مند السنوات الثلاثة الاولي لتأسيس الجمهورية. وتلقت لصومال منحا وقروضا من دول الشرق والغرب، مما اتاح تقديم خطة تنموية طموحة بحلول 1963 عرفت بالخطة الخمسية بميزانية تبلغ 100 مليون دولار في شكل منح وقروض. وكانت الخطة تستهدف تنمية الزراعة والصادرات والبنية التحتية واعمال الري. وكان من بين النجاحات الملحوظة بحيث أصبحت البلاد مكتفية ذاتيا تقريبا من السكر، ونمت الصادرات الموز وصادرات الثروة الحيوانية. ولكن طلت المساعدات الخارجية تدعم الاقتصاد بشكل كبير، واضافة الى الفساد الإداري والسياسي، مما جعل البلاد تدخل حالة من التدهور، ومن خلالها تحرك الجيش في استيلاء على الحكم عام 1969.

وبالاعتماد على المستشارين السوفييت ومجموعة من الاكاديميين اليسار الصومالي، اعلن سياد بري عن خطة السنوات الثلاثة 1971-1973. اكدت الخطة على مستوى معيشة اعلى لكل صومالي، وفرص عمل لجميع الباحثين عن عمل، والقضاء على الاستغلال الرأسمالي. ومن خلالها أعلنت الحكومة بسياسات التأميم بحيث استولت على الشركات التامين وتوزيع البترول ومصانع السكر وشركات البناء وصناعات الغذائية، وشكل التعاونيات Iskaashatooyin لأجل بناء اقتصاد اشتراكي، أصدرت الحكومة قانون التنمية التعاونية ورفع كفاءة القطاع الزراعي. ولكن الحكومة الصومالية تسرعت بدخول صراع غير متوازن مع إثيوبيا مما جعل الاقتصاد الصومالي يفقد حليفه الاستراتيجي وهو الاتحاد السوفيتي ودخلت الحكومة اتفاقيات مع المؤسسات المالية الرأسمالية (البنك الدولي، وصندوق النقد)، وسنتحدث موضوع الديون والمؤسسات المالية لاحقا، فان الحكومة الصومالية فشلت في إدارة الاقتصاد بشكل صحيح، بحيث ازداد الفقر، والنزوح والحروب الداخلية، وفي النهاية سقط النظام في ايدي المليشيات USC في 26 يناير عام 1991.

الناتج المحلي الإجمالي، المصدر Tradingeconomics
الناتج المحلي الإجمالي، المصدر Tradingeconomics

مند تلك الفترة كانت الصومال خارج الاحصائيات الدولية، ولكن من الواضح ان الاقتصاد الصومالي كان في طور التحسن منذ السنوات الأخيرة، بحيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي GDP -وهو احد المؤشرات الرئيسية لقياس صحة اقتصاد البلد- حولي 7.37 مليار دولار عام 2017 وتمثل قيمة الناتج المحلي الإجمالي في الصومال حوالي 0.01 في المائة من الاقتصاد العالمي. ويبلغ متوسط الناتج المحلي الإجمالي حوالي 1.48 مليار دولار في الفترة من 1960-2017 حيث وصل اعلى مستوى له على الاطلاق.

وارتفع الناتج الإجمالي الصومالي بنسبة 2.40% في عام 2017 مقارنة بالعام السابق. وبلغ معدل النمو النسوي للناتج المحلي في الصومال 1.58% من عام 1961 الى عام 2017 حيث وصل الي اعلى مستوى له على الاطلاق حيث بلغ 14.88% في عام 1971.

ويعتمد الاقتصاد الصومالي بشكل كبير بالواردات وهذا يوضح عجز التجاري الذي يعانيه الاقتصاد الصومالي، وسجلت الصومال عجزا

نسبة ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، المصدر Tradingeconomics.com
نسبة ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، المصدر Tradingeconomics.com

تجاريا بلغ 2148.66 مليون دولار في عام 2017، وبلغ متوسط ميزان التجارة في الصومال -808.89 مليون دولار من عام 1998 حتى عام 2017، ومن الواضح في الاحصائيات ان العجز التجاري في الاقتصاد الصومالي يعيش حالة حرجة، ولا بد من سياسات إنعاشيه لتصحيح الهيكل. والواضح في الشكل السابق كيف ان الاقتصاد الصومالي يعيش بالواردات بشكل جنوني.

ومن المؤشرات المهمة هو مؤشر الفساد CPI حيث يصنف الدول بناء على مدى فساد القطاع العام، وتشير درجة البلدان الى مستوى الملحوظ لفساد القطاع العام، من 0 فاسد للغاية، الى 100  نظيف للغاية. سجلت الصومال 10 نقاط من اصل 100 في مؤشر مدركات الفساد في عام 2018 الذي نشرته منظمة الشفافية الدولية. وهذه النقطة تعتبر نقطة سوداء على الحكومة الصومالية والتي تسعى الان الى إعادة خلق الثقة بينها وبين المؤسسات المالية والدول المانحة.

مؤشر الفساد
مؤشر الفساد

وهنا اخدنا جولة سريعة بالاقتصاد الصومالي حيث اخذنا مؤشر GDP ومؤشر الميزان التجاري Balance of Trade لنحدد حالة الاقتصاد الصومالي، ومؤشر الفساد باعتباره مؤشر يؤثر علاقة الحكومة الصومالية مع المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي بشكل عام.

صندوق النقد الدولي وعلاقته بالحكومة الصومالية:

العلاقة بين الصندوق النقد الدولي والدول النامية علاقة معقدة، استمرت بين تجاذبات واختلافات في الرؤية والسياسات، بحيث ان الاقتصاديين وصناع القرار في الصندوق يشتبكون أحيانا مع القادة والزعماء وتارة باقتصادي الدول النامية. تنبع المشكلة الأساسية بالبرامج والسياسات الاقتصادية التي تفرضها الصندوق على الدول التي ترغب الاستفادة من خدماتها، وابرزها هو برنامج التكييف الهيكلي، فما هو هذا البرنامج؟

 

هو برنامج يهدف الى معالجة الاختلالات والتشوهات الهيكلية، وذلك من خلال مجموعة من السياسات الانكماشية والإجراءات التقشفية الهادفة الى تحكيم بجانب الطلب، وما يستتبعه ذلك من تحكم في معدلات التضخم، بحيث تتطلب هذه السياسات اتخاذ إجراءات منها:

  • زيادة موارد الخزينة العامة من خلال تنشيط الجهاز الضريبي
  • تقليص الاستثمار الحكومي، والحد من تدخلها في الأمور الاقتصادية
  • امتصاص السيولة من خلال طرح أدوات بأسعار فائدة مجزية
  • التركيز على إدارة الطلب لأجل التحكم على عملية الإصدار النقدي، الاقلال من الانفاق الحكومي، الغاء الدعم بمختلف اشكاله، وتخفيض عجز الموازنة العامة الذي يقضي على الضغوط التضخمية، ويضع حداً للتوسع النقدي، وتحرير سعر الصرف ورفع أسعار الفائدة.

ويعتبر هذا البرنامج من اهم البرامج الإصلاحية التي قدمها الصندوق لتكييف الهياكل الاقتصادية للدول النامية، والصومال كانت من ضمن تلك الدول التي فرضت عليها سياسات التكييف الهيكلي.

الصومال ما بعد الاشتراكية: التفاعل مع الصندوق النقد الدولي:

دخل البرنامج الاشتراكي الصومالي في حالة من الفوضى وفقد حليفه الاستراتيجي الاتحاد السوفياتي، في أعقاب حرب أوغادين 1977-1978 ، فاتجهت الصومال مرة أخرى إلى الغرب. مثل معظم البلدان التي دمرتها الديون في أواخر سبعينيات القرن الماضي ، انضمت الصومال الى برنامج التكييف الهيكلي الذي تدعمه صندوق النقد الدولي. في فبراير 1980، تم التوقيع على اتفاقية سياسة الاقتصاد الكلي مع صندوق النقد الدولي، ولكن لم يتم تنفيذها. وتم الانتهاء من الاتفاقات الاحتياطية في يوليو 1981 ويوليو 1982 ويناير 1984 على التوالي. وللوفاء بمعايير صندوق النقد الدولي، أنهت الحكومة سياستها المتمثلة في العمل كصاحب الملاذ الأخير لتوظيف جميع خريجي المدارس الثانوية وألغت احتكارها لتسويق الحبوب. بعدها أعدت الحكومة برنامج إنعاش متوسط ​​الأجل يتكون من برنامج استثمار عام للفترة 1984-1986 وبرنامج تدريجي لإصلاح السياسات الاقتصادية. نظرًا لأن جمعية التنمية الدولية اعتبرت هذا البرنامج طموحًا للغاية، فقد خفضت الحكومة مشاريعها، وأبرزها بناء سد بارديري Baardheere، الذي نصحته المنظمة ضده. تخلت الحكومة عن أول برنامج إصلاح لها في عام 1984. في مارس 1984، وقعت الحكومة خطاب نوايا بقبول شروط التسهيل الائتماني الجديد لصندوق النقد الدولي بقيمة 183 مليون دولار أمريكي لمدة ثلاث سنوات. في اجتماع لمجلس الوزراء الصومالي في أبريل / نيسان في نفس العام، تم إلغاء هذا الاتفاق بتصويت واحد، واتفقوا بتخفيض 60 في المائة من الميزانية، كما دعا الاتفاق إلى مزيد من تخفيض قيمة الشلن وتخفيض عدد الموظفين الحكوميين.

أزمة جديدة ضربت الصومال في يونيو 1983، بحيث قررت الحكومة السعودية وقف استيراد الماشية الصومالية، وسرعان ما تم توسيع هذا الحظر ليشمل الخراف والماعز. وزعم المسؤولون السعوديون أنه قد تم اكتشاف الطاعون البقري في الماشية الصومالية، مما جعلها غير آمنة. وفي أي حال، أدى الحظر إلى عجز كبير في الميزانية، وبدأت متأخرات خدمة الدين تتراكم. ومن العوائق الرئيسية أمام توسيع الثروة الحيوانية وغيرها من الصادرات الافتقار إلى البنية الأساسية للاتصالات في الصومال: الطرق الجيدة ومرافق الشحن، فضلاً عن الاتصالات السلكية واللاسلكية والخدمات البريدية الفعالة. كما أن الافتقار إلى التسهيلات المصرفية يمثل مشكلة. لا يمكن للصومال تجنب دواء التكيف الهيكلي بسهولة.

في مارس 1985 ، في مفاوضات مع نادي باريس (الاسم غير الرسمي لاتحاد يضم ثمانية عشر دولة دائنة غربية)، تمت إعادة هيكلة جدول خدمة ديون الصومال، واعتمدت الحكومة برنامج إصلاح تضمن تخفيض قيمة العملة وإنشاء سوق حرة لصرف العملات الأجنبية لمعظم المعاملات الخاصة. في نوفمبر 1985 بالاشتراك مع المجموعة الاستشارية للمانحين وهي هيئة فنية تابعة لنادي باريس، قدمت الحكومة استراتيجيتها وبرنامجها الوطني للتنمية مع برنامج استثماري منقح مدته ثلاث سنوات. وانتقد مسؤولو المساعدات الغربيون هذا البرنامج باعتباره طموحًا للغاية. في يونيو 1986 تفاوضت الحكومة على برنامج تعديل القطاع الزراعي مع المؤسسة الدولية للتنمية. في سبتمبر 1986، تم إطلاق نظام مزادات العملات الأجنبية، ولكن واجه تشغيله صعوبات شديدة بسبب اعتماده الكامل على المساعدات الخارجية. العديد من أسعار الصرف المطبقة على أنواع مختلفة من المعاملات جاءت إلى حيز الوجود.

أعدت الوكالة تقرير مشروع المرحلة الثانية في عام 1986 الذي جدد الدعوة إلى الخصخصة. وأشادت بالحكومة لأنها سمحت بالاستيراد الحر للمنتجات البترولية وضعت هيئة المعونة الدولية ضغطًا كبيرًا على الحكومة، وخاصة عن طريق جماعات الضغط لاتخاذ إجراءات بشأن التشريعات للسماح بالخدمات المصرفية الخاصة. لتشجيع القطاع الخاص أكثر من ذلك، كانت الوكالة الدولية للتنمية الدولية على استعداد لتمويل غرفة التجارة الصومالية إذا سمحت لها الحكومة الصومالية بأن تصبح هيئة مستقلة. وذهب تقرير عام 1986 إلى ما بعد الخصخصة من خلال الدعوة إلى وسائل تحسين أنظمة تحصيل الإيرادات والمراقبة الحكومية. أصبح بناء حكومة قادرة على جمع الضرائب وإجراء إصلاحات في السياسة، ومعالجة المشاكل المالية محور التركيز الجديد. على هذا المنوال، شجعت الوكالة القضاء على وظائف الخدمة المدنية. اعتبارا من عام 1985، على الرغم من طرد 5000 موظف حكومي، شعرت الوكالة أن 80 في المائة من الخدمة المدنية لا تزال زائدة عن الحاجة. ومع ذلك ، حث مسؤولو المعونة على زيادة الرواتب لأولئك الذين يعملون في وظائف مفيدة.

تعكس الخطة الخمسية للحكومة الصومالية ما بين 1987-1991 إلى حد كبير الضغوط والحوافز الدولية لصندوق النقد الدولي والمعونات الخارجية. وتمت كتابة الخصخصة في الخطة، وكذلك مشروعات التنموية الصغيرة. وبحلول عام 1988، أعلنت الحكومة عن تنفيذ العديد من سياسات التكييف الهيكلي التي يشجعها صندوق النقد الدولي. فيما يتعلق بالعملات الأجنبية، اتخذت الحكومة العديد من الخطوات الوسيطة التي من شأنها أن تؤدي إلى اندماج أسعار السوق المرتبطة. أما بالنسبة للمصارف، فقد تم سن تشريع يسمح للبنوك الخاصة بالعمل. في المالية العامة خفضت الحكومة عجزها من 10 إلى 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، كما نصحت، لكنها أقرت بأن زيادة الضرائب على الوقود والإيجار والمبيعات قد تم تنفيذها جزئيًا فقط. ظلت ضريبة القيمة المضافة على واردات الوقود قيد الدراسة، ولكنها تمت زيادة ضريبة الدخل على الإيجارات وارتفعت ضريبة المبيعات من 5 إلى 10 في المائة. واصلت الحكومة المماطلة فيما يتعلق بالمؤسسات العامة، وعقدت مناقشة غير رسمية فقط لخطط لتصفية الشركات غير المربحة.

ومع انخفاض قيمة الشلن، أصبحت التكلفة الحقيقية للحبوب الأجنبية واضحة للمستهلكين، وارتفع السعر النسبي للحبوب المحلية. وتسببت تصحيح الأسعار في زيادة الإنتاج الزراعي بنسبة 13.5 في المائة بين عامي 1983 و 1985. وتم ترويض التضخم أيضًا، حيث انخفض من معدل سنوي بلغ 59 في المائة في عام 1980 إلى 36 في المائة في عام 1986. وقد استخدم مسؤولو البنك الدولي هذه البيانات لنشر النجاح الصومالي في الهيكلية.

لكن الصورة العامة لم تكن مشجعة. انخفض إنتاج الصناعات التحويلية، مسجلاً انخفاضًا بنسبة 0.5 في المائة سنويًا من 1980 إلى 1987. وانخفضت الصادرات بنسبة 16.3 في المائة سنويًا من 1979 إلى 1986. علاوة على ذلك فإن الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.8 في المائة سنويًا من 1979 إلى 1986 لم تواكب النمو السكاني. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الناتج القومي الإجمالي للصومال في عام 1989 بلغ 1035 مليون دولار أمريكي، أو 170 دولارًا أمريكيًا للشخص الواحد، كما قدّر أيضًا أن الناتج القومي الإجمالي الحقيقي للفرد الواحد انخفض في الفترة بين عامي 1980 و 1989 بنسبة 1.7 في المائة سنويًا.

في الفترة من 1987 إلى 1989، كانت النتائج الاقتصادية للإنتاج الزراعي مختلطة. على الرغم من أن الذرة وقصب السكر كانت من المحاصيل الرئيسية، ظلت الماشية والموز تمثل الصادرات الرئيسية. بلغت قيمة صادرات الماشية والموز في عام 1989 (آخر سنة توفرت بشأنها بيانات في مايو 1992) 26 مليون دولار أمريكي و 25 مليون دولار أمريكي على التوالي. الماشية التي تتألف في المقام الأول من الجمال والماشية والماعز والأغنام، خدمت عدة أغراض. قدمت الحيوانات الحليب واللحوم للاستهلاك المحلي، والماشية  الجلود الكبيرة والصغيرة للتصدير.

نتيجة للحرب الأهلية في العديد من المناطق ، تدهور الاقتصاد بسرعة في عامي 1989 و 1990. في السابق ، كانت صادرات الماشية من شمال الصومال تمثل حوالي 80 في المائة من العملات الأجنبية المكتسبة، ولكن هذه الصادرات توقفت فعليًا في عام 1989. نقص معظمها السلع، بما في ذلك الغذاء والوقود والأدوية والمياه، حدثت في جميع أنحاء البلاد تقريبا. بعد سقوط نظام سياد بري في أواخر يناير 1991 ، فشل الوضع في التحسن بسبب اشتداد الصراع العشائري.

لماذا الإعفاء من الديون؟

قدم كل من علي ياسين شيخ علي أستاذ الاقتصاد في جامعة سيمد مع اخرين، مقالة علمية بعنوان Effects of Foreign Debt and Foreign Aid on Economic Growth in Somalia، وتهدف الى تقييم اثار الديون الخارجية والمساعدات الخارجية على النمو الاقتصادي في الصومال منذ 1970-2014، وتظهر النتائج هذه الورقة ان الدين الأجنبي في الصومال له تأثير سلبي على النمو الاقتصادي، في حين ان المساعدات الخارجية لها تأثير إيجابي على النمو الاقتصادي، وتشير الدراسة ان طريقة التكامل المشترك بين المتغيرين سيكون لهم ارتباط في الاجل الطويل، مما يؤثر النمو الاقتصادي بشكل كبير. (ياسين؛2018) وبرغم ان وصفهم بان المساعدات الخارجية لها تأثير إيجابي يذهب العالم الاقتصادي ميشال تودارو بان التأثيرات ستكون مرتبطة بالدوافع، وهذا ما يجعل التأثير سلبيا او إيجابيا.

ان سعي الحكومة الصومالية بإلغاء الديون هو في مستوى الأول اقتصادي بحت، بحيث يجعل الإلغاء الديون تتمتع باستلام دفعات أخرى من القروض من الصندوق، وبالتالي ستتمكن الحكومة تمويل مشاريعها بشكل افضل، وتلك القروض تساهم أيضا في رفع كفاءة النقدية للحكومة الصومالية مما يجعلها قادرة على دفع رواتب الجيش وموظفيها، وهذه السيولة سيكون لها تأثيرا الكبير على فعالية الاقتصاد القومي.

ولذلك من الضروري تسريع عملية تخفيف عبء الديون لإطلاق موارد مالية جديدة لتوجيهها لإعادة الإعمار والتنمية ولتشجيع المزيد من الاستثمارات في البلاد. ومن الأهمية بمكان أن يتلقى الصومال إلغاء الديون بالكامل من دائنيه الخارجيين لتجنب خدمة الديون الخارجية بعد الحصول على تخفيف عبء الديون من خلال مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون ، لأن خدمة الديون ستحول الموارد الشحيحة عن التنمية. سيتطلب ذلك من الدائنين الخارجيين للصومال تسريع عملية تخفيف الديون ومنح البلد إلغاء الديون بالكامل. وعموما، فإن عملية تسريع تخفيف عبء الديون وإلغاء الديون بالكامل ستعزز استعادة السلام والاستقرار السياسي وتحفز التنمية، مما يقلل من خطر عودة البلد إلى الصراع.

ومن الجانب الاخر هناك مخاوف من قبل بعض المحللين منها:

  • استغلال القروض المالية لأغراض سياسية، منها استعمالها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة 2020، وان صارت هذه المخاوف حقيقة فانها ستؤثر ثقة المؤسسات المالية على الحكومة الصومالية. ولتجنب هذا ينبغي على الحكومة الصومالية ان تتصرف بصورة رشيدة وان تستخدم هذه القروض بشكل شفاف مما يخدم التنمية ويرسخ مبادئ حكم الرشيد.
  • الوقوع في مصيدة الديون مرة أخرى، يثير بعض الاقتصاديين بعدم ثقتهم بالصندوق وسياساتها الاقتصادية، وانه يسعى الى تدمير الاقتصاديات الناشئة وانه دراع الامبريالية العالمية. ورغم وجود نوعا من الاستغلالية فان الصندوق يمثل سياسات رأسمالية فشلت في احتواء الازمات الاقتصاد العالمي، ولذلك فانه يفرض رؤيته الاقتصادية على الدول، وعلى الدول ان تتعامل مع الصندوق بشكل متوازن، وأتمنى ان يدرك رئيس الحكومة والقادة الصوماليين ان القروض ليست حلا للازمات الاقتصادية ولا العجز الميزانية، بل هي دفعة لتحسين الوضع الاقتصادي وتنشيطه، لذلك لا بد ان نصل الى حالة من الاكتفاء الذاتي.

 

المراجع:

  • ميشيل تودارو: التنمية الاقتصادية، دار المريخ، الرياض/السعودية؛ الطبعة الثانية ٢٠٠٩
  • وليام ايسترلي: مسؤولية الرجل الأبيض، الدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان/بيروت، الطبعة الأولى ٢٠١٢
  • Ali Yassin Sheikh Ali: Effects of Foreign Debt and Foreign Aid on Economic Growth in Somalia, International Journal of Economics and Finance, Canadian Center of science and Education, 2018.
  • David D. Latin & Said S. Samatar: Somalia and the World Economy, Review of African political economy, No. 30, Conflict in the horn of Africa, Sep, 1984.
  • Somalia NGO Consortium, Policy Brief: Debt Cancellation for Somalia, The Road to Peace, Poverty Alleviation and Development, October 2018.

[1]  باحث صومالي

عن قلم التحرير

شاهد أيضاً

إشكال الهويّة لدى الصوماليين

الهوية وإشكالها لدى الصوماليين: تلعب الهوية لدى مجتمع من الناس دورًا كبيرًا في تحديد الاتجاهات …