الرئيسية / سياسة / تقدير موقف / هيستيريا جماعيّة

هيستيريا جماعيّة

عبدالكريم الحنّي

( إذا انجنّ ربعك عقلك ما بينفعك ) بمعنى: إذا أصيب مجتمعك بالجنون فلن ينفعك أن تكون عاقلا. مقولة سكّها البدوي في الجزيرة العربيّة ليلخّص رأيه في سلوك الجماهير الهائجة، وتلك نتيجة أثبتها عالم النفس الفرنسي الشهير “غوستاف لوبون” في كتابه سيكولوجية الجماهير. وبحسب “لوبون ” فإنّ الأفراد الواقعين تحت تأثير الجماهير المنفعلة يفقدون استقلاليّـتهم وعقلانيّـتهم وتنمحي سماتهم الشخصية ويصبحون جزءا من الفوران العاطفي اللاعقلاني الكاسح.

الأجواء الملبّدة بغيوم الصراعات الإثنيّة والقوميّة في إثيوبيا في خضمّ التحوّل السياسي الذي تشهده البلاد تفرض على المتابع تلمّس مداخل لفهم طبيعة مجريات الأحداث التي تتفجّر ألغامها على خطوط التماس بين الأقاليم.

عندما قرّر التحالف الحاكم الاستجابة للاحتجاجات الشعبيّة التي عمّت البلاد بغلبة جناحه الإصلاحي، استلم بلدا يتهدّده التقسيم بفعل الخطاب الذي ظلّ يغذّي النزعات القوميّة والعرقيّة، والذي انتهجته النخبة الحاكمة لأكثر من ربع قرن في صورة فيدرالية إثنيّة، وقدّمته على أنّه حلّ لواقع التعدّد الثقافي والقومي، ويخلّص القوميّات من الهيمنة الأمهريّة التي طال أمدها. فكان الشّعار الذي رفعه العهد الجديد ( لِـنتّحد ـ Inniddemer ).

لكن النّوايا الإصلاحية الطيّبة اصطدمت بصخرة الواقع الذي خلّفه العهد السابق.. مجتمع مشحون بخطابات العنصريّة والكراهية وقابل للاشتعال والانفجار لأتفه الأسباب، وتنفخ في ناره صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي والتي تديرها قوى عديدة لحسابات مختلفة:

  • فهناك فئات تريد اغتنام حالة السّـيلان التي تطبع الفترة الانتقاليّة لاختطاف السلطة قبل أن يستتبّ الأمر لقوى التغيير في التحالف الحاكم.
  • وهناك الثورة المضادّة التي تحاول تشويه المسار الجديد. فإن لم تستطع العودة بالزمن إلى الوراء فلا أقلّ من إرباك المشهد مستفيدة من وضعها كدولة عميقة وما راكمته من أموال.
  • الأحزاب والحركات التي كانت لها غايات انفصالية لتستقلّ بأقاليمها التي عانت إقصاء وتهميشا ممنهجا.
  • أفراد متحمّسون يجنّدهم هذا الطرف أو ذاك بوعي أو بدون وعي.

وسط هذه الأمواج المتلاطمة، ظهر في الساحة لاعب جديد في توقيت مُريب، وهو حزب (الحركة القوميّة الأمهرية) مخالفا معهود المجتمع الإثيوبي من اعتبار الأمهرا قوميّة مناهضة لسياسية الفيدرالية اللغوية، ومؤمنة بدولة وحدويّة لا تجعل البلد عرضة للتفـتّت والانقسام.

خطاب الحزب اتّسم بنزعة قوميّة متطرّفة ومشبعة بحمولة دينيّة تسـتـلهم شخصيّات تاريخيّة لعبت دورا في الصراعات الدّينيّة القديمة كالإمبراطور (لبنا دنغل) الذي خاض صراعا مريرا مع الإمام (أحمد غرانّ). نشاط الحزب جعله يصطدم بالأقليات التي تسكن الإقليم وكان آخرها المواجهات العنيفة التي حدثت في شمال شوا وجنوب ولّلو، وأثارت مخاوف من امتدادها وتحوّلها إلى صراع دينيّ شامل.

هذه الصحوة القوميّة المتأخرة للأمهرا تثير الريبة وتدعو للتساؤل.

  • أين كان الحزب طيلة الفترة الماضية التي كان فيها خطاب القوميّة يُحتفى به؟ ولماذا يُضمِّن خطابه لغةً دينيّةً تثير حساسيّة في بلد تكاد النّسبة فيه تتساوى بين المسلمين والمسيحيين؟ إنّه من الصعب التسليم بعفويّة هذه الحركة ودوافعها!

عودة إلى “غوستاف لوبون” الذي يرى أنّ اللاوعي هو الذي يهيمن على الجماهير، وتسيّرها العواطف الجامحة والغرائز الثورية، ويتّسم سلوكها بالطيش والنّزق والميل إلى التخريب والتدمير، وتستجيب للقيادات الشعبويّة التي تخدعها بالشعارات والوعود الوهميّة الفارغة، وتنفر من المحاكمات العقليّة ولا تقـتنع أو تتأثر بالمحاجّة المنطقية.

هذه الخلاصة قد تفسّـر حالة الهستيريا الجماعية السائدة في إثيوبيا.

فنحن قد تلقّينا في طفولتنا من بيئتنا الأسريّة ومجتمعنا المحلّي كثيرا من الأفكار والقيم والأراء التي ترسّبت في أعماقنا لتشكّل منظورنا عن أنفسنا ومجتمعنا والعالم من حولنا، ونادرا ما نُخضعها للمراجعة والنّقد في المراحل اللاحقة من حياتنا الراشدة فهي حكمة الأجداد التي نستهـدي بها وقد توارثناها كابرا عن كابر.

أساليب التنشئة التقليدية يهمّها أن يتربّى الصّغار على الاعتزاز بانتمائهم القبلي وعقيدتهم الدينية ليبقى كيان الجماعة متماسكا صلبا لا يتهدّد وجوده غارات القبائل المجاورة، ولا تخترقه عناصر ثقافيّة دخيلة، وليست بعد ذلك معْـنيّة بقيم التعدّدية والتعايش والتسامح. وإلى هنا فإن الأمور طبيعيّة ومألوفة. ولكن المشكلة تبدأ حين تتّخذ نخبة حاكمة تلك الهويّات أساسا أيديولوجيّا للحكم ومعيارا معتمدا للتقسيم الإداريّ للبلد، وتسخّر لها إمكانات الدولة بأجهزتها وإعلامها.

تبقى الأسباب التي كانت وراء اعتماد النخبة التي جاءت إلى الحكم بعد سقوط النظام العسكري الشيوعي عرضة للتكهّنات:

  • هل كان اعتمادها الفيدرالية اللغويّة رغبة جادّة في الاعتراف بالتعدديّة اللغوية والثقافية وتحريرها من هيمنة الثقافة الأمهريّة؟ أم كان ذلك نهجا اضطرّها إليه واقع انتمائها لأقليّة لغويّة يتعذّر معه فرض لغتها وثقافتها على محيط أكبر من أن تستوعبه؟
  • هل كان يصعب التنبّؤ بأنّ التوزيع الإداريّ القائم على الهويّات سيتهدّد الوحدة الترابية للبلد بالتقسيم متى ما ارتخت قبضة الحكومة الفيدراليّة؟
  • هل مستوى الوعي لدى المواطنين يسمح باتباع هذا النظام من غير أن يغذّي فيهم نزعات عنصرية متطرفة؟
  • هل تجارب الدول التي سبقت إلى انتهاج ذلك النظام يُغري بتكرار تجربتها؟ ألم يكن مصير الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا حاضرا في الأذهان؟ أليست بلجيكا وكندا تعانيان من الميول الانفصاليّة لمكوّناتها الإثنية؟
  • ألم يكن التطرّف القومي سببا في حربين عالميّـتن؟ ألا يجدر التعلّم من المذابح الرّواندية الرّهيبة؟ أم أنّنا يجب أن نكرّر التجربة حتى نتعلّم؟
  • ألا يفرض علينا تاريخنا المشترك ومصالحنا المتشابكة البحث عن صيغة لنظام حكم يلبّي تطلّعاتنا إلى تنمية ثقافاتنا ويضمن لنا تحقيق نهضة اقتصاديّة تستفيد من مخزون الموارد الطبيعية الهائلة؟

تساؤلات تفرضها الوقائع التي أفرزتها تجربة حكم استمرت 27 سنة، وتركت إرثا ثقيلا من من المشاحنات العرقية والقبليّة التي ستتطلب تعاملا حذرا من قوى التغيير الجديدة من أجل تجاوز النّزعات القوميّة المغالية و استعادة الروح الوطنية الجامعة.

أدناه نماذج لقصص وحكايات تصلح شواهد على الجنايات التي ترتكبها الأسر في حقّ نفوس الأطفال البريئة وعقولهم الغضّة، وتؤسّس لمشاعر الكراهية التي ستلازمهم بقيّة حياتهم.

من تلك القصص: قصّة خروج آدم من الجنّة.. فآدم حين أكل من الشجرة طرده الله من الجنة. ولكنّه عندما ألقى إليه أمر الطرد لم يستجب للأمر، فأعاد الله عليه أمر الخروج بجميع لغات الأرض فلم يستجب حتى بلغ غضب الله مبلغا عظيما، فألقى إليه بالأمر بلغة الجالّا (أخرج يا رجل) !!!. ففزع آدم وفرّ هاربا.. فهي لغة نطق بها الربّ في شدة غضبه لذلك فهي لغة صعبة ولغة بغيضة.. حين تُلقى هذه القصّة وأشباهها على مسامع طفل بريء يمكننا أن نتخيّل الأثر الفظيع الذي ستخلّفه في نفسه تجاه هذه اللغة وأهلها..

وفي المقابل يذكرون أنّ أحدهم سمع شخصا من الناطقين بالأمهريّة ــ وفي ولّلو يسمّونهم  Degegna )  ) ــ سمعه يقرأ آية من القرآن فختمها قائلا: (ولو جئنا بمثله مددا). و( دال ) الناطقين بالأمهريّة لها جلجلة قويّة.  فقال السّامع: يا رجل أخشى أن تتناثر أوراق المصحف من جلجلة صوتك.

هذه القصص وأشباهها ليست بدعة اختصّ بها أهل المنطقة، فهناك أحاديث وضعت على لسان النبيّ يقول فيها: إذا غضب الله تكلّم بالفارسية وإذا رضي تكلّم بالعربية.

ويذكر المؤرّخون عن “فوليتر” الفيلسوف الفرنسيّ الشهير تخلّيه عن محاولة تعلّم اللغة الألمانية لأنّها تسبب له اختناقا وتمنّى على الألمان أن يقلّلوا من المقاطع الصوتية السّاكنة في لغتهم.

وقد أتى بعده الفيلسوف الألماني “هايدغر” ليعلن أنّه لا توجد في العالم إلّا لغتان للتفلسف: اللغة اليونانيّة و اللغة الألمانيّة.

ومن طريف ما يجدر ذكره في هذا المقام ذلك المقطع من الفيديو الذي كان متداولا في مواقع التواصل الاجتماعي عن طفلة صغيرة في بدايات مرحلة سنّ تعلّم الكلام، ويسمع صوت شيخ يلقى عليها أسئلة في أمور الدين وهي تجيب عليه من محفوظها الذي تلقّـنته. وكان من بين الأسئلة المطروحة: من الذي يقول بخلق القرآن ؟ طبعا بصعوبة بالغة وبصوت لا تكاد تتبيّن مقاطعه تنطق الطفلة باسم الفرقة ” الضالّة “. هل سيتيح الزّمن لهذه الطفلة البريئة فرصة مراجعة هذه الأفكار والعقائد التي غرست غرسًا في هذه الفترة المبكّرة من حياتها لتعتنقها عن قناعة قائمة على الحجّة والبرهان أم سيجرفها تيّار الحياة ويبقى مفعول التّلقين يسيّر حياتها بالاتّجاه الذي خطط له الكبار ؟ العلم عند الله.

عن قلم التحرير

شاهد أيضاً

ازمة الديون؛ لماذا تسعى الصومال الى إعفائها

التقرير الشهري: أزمة الديون الصومالية وإعفاؤها

عمر علي باشا[1] مقدمة: في مؤتمر لندن طلب الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو في …