الرئيسية / سياسة / حوارات / بين الحرب والسلام- مذكرات مواطن من مدينة هرجيسا / أحمد قرا يره 1

بين الحرب والسلام- مذكرات مواطن من مدينة هرجيسا / أحمد قرا يره 1

بين الحرب والسلام/ مذكرات مواطن من مدينة هرجيسا

سلسلة لقاءات مع مواطن من أبناء مدينة هرجيسا، ير نفسه إنسانًا بسيطًا رغم أن قصته تلخص قصص الحياة في هذه المدينة منذ بداية التسعينيات،  وما يهمنا نحن حقيقة هو أنّه في حديثه المليء بالحقائق، وطريقة سرده الجميلة للأحداث الصعة والمواقف الطريفة والمفارقات، يكاد أن يمثّل وجهًا آخر من أوجه أهل هذه المدينة التي مرّت بالكثير، ولازالت تنمو وتكبر وتبتسم.
ضيفنا الأول في هذه السلسة من اللقاءات هو السيد/ أحمد آدم إبراهيم عبدي Qara yare، ولد في حي السادس والعشرين من يونيو 26 june، سنة 1977م، ونتركه يتحدث عن نفسه مباشرة، ودون تدخل.

يقول أحمد آدم إبراهيم عبدي الشهير بـ “قرا يره” انضممت إلى القوات النظامية ciidanka bermedka في شتاء سنة 1993، في الفرقة السابعة عشرة 17th battalion ، المكونة من 300 مقاتلًا، ويرجع انضمامي إلى الجيش لسببين رئيسيين على صغر سني، أولّها أننا كنّا نحمل أملًا كبيرًا بأن تولد دولة تستطيع إعادة ترتيب الفوضى التي عمّت البلاد، ولم يكن ذلك ممكنًا سوى بأن نكون جزءًا منها، ليشارك كلُّ بدوره الذي يستطيعه فيها، وأنا كنت شابًا صغيرًا ولم يكن أمامي سوى الانضمام إلى القوات المسلحة، هذا ما كان باستطاعتي، إضافة لسبب آخر مهم، وهو أن الحروب السابقة التي حدثت نشرت الفقر في البلاد، وكان الراتب المضمون في الجيش يسمح لي بمساعدة أهلي، على قلة الراتب.

تلقيت التدريب العسكري في معسكر (منطيرا/Mandheera)   شمال شرق مدينة هرجيسا، وكان ذلك في خريف عام 1993 في زمن تولي موسى بيحي – الرئيس الحالي – وزارة الداخلية، في حكومة الرئيس محمد حاج إبراهيم عقال – رحمه الله ، وكان أول اشتباك مسلّح شهدته أثناء خدمتي في، منطقة “المصلى/Masallaha” بين المليشيا العشائرية والقوات النظامية بقيادة “علي شوبي”، شاركت فيها آلية الحرب الشهيرة “زهرة توغو”، وتمت اجبار الميليشيات على الانسحاب إلى بلدة “تون” خارج مدينة هرجيسا.

خلال تلك الفترة كان النزوح المفاجئ وإخلاء المدنيين أمرًا متكررًا ومعتادًا، وقد يستمر البقاء في أماكن الاستقرار المؤقتة زمنًا طويلًا،….

لقد شهدت هذه المدينة “هرجيسا” الكثير من الأحزان خلال فترة ليست بالقصيرة، لكن الجالية في البلاد العربية ساعدتنا كثيرًا، خاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ولا شكّ أن لهم فضلًا كبيرًا في إنقاذ حياة الكثيرين، وأنا على علمٍ شخصي بالكثير من العائلات والأسر المغتربة التي ضحت تضحيات عظيمة، أثّرت حتى على مستوى حياتها في تلك البلاد، وامتد تأثيرها على مستقبل أبنائها والخيارات التي أمامهم للتقدم في حياتهم.

بالتأكيد أن الحرب الداخلية كانت خطأ كبيرًا جدًا، لكنها حملت في طيها تناقضات شديدة الغرابة، فعلى سبيل المثال، كانت الحرب النفسية بين الأطراف المختلفة تعتمد أساليب تحط من كرامة الطرف المناوئ، فنحن في الجيش كانت تتم تسميتنا بأسماء مثل “Maryo Alool” بمعنى الزي العسكري المموه/ فقط لنصبح مجرّد زيّ يجب استهداف من بداخله، فكرة غريبة تلك حقًا، وكان هناك من يطلق علينا “Loo Ma Ooyaan” أي “لا بواكي لهم”، كأننا لا ننتمي لأسر وعائلات وعشائر، لكن المدهش حقيقة، هو أنّ في الجهة المقابلة كثيرًا ما كنّا نصادف أصدقاء لنا، نعم أصدقاء لنا في الجهة المقابلة التي نوجّه لها فوهات أسلحتنا، ونستقبل نحن أيضًا فوهات أسلحتهم، ولم يكن نادرًا أن نلتقي في بعض أحياء المدينة، في المقاهي ومجالس القات، على الرغم من مرور أيام قليلة على آخر اشتباك كنا طرفين فيه.

كثيرون من الأصدقاء حولتهم الأوضاع إلى أعداء يجد كل منهم قتل الآخر أمرًا لا مفرّ منه، لكنني كنت سعيدًا حقيقة، كنّا نلتقي بهم في مراسم تسليم الأسلحة وانهاء التمرّد،  خاصة حين كان يتم ذلك في (ملعب هرجيسا)، كنّا نستأنف صداقاتنا كأن شيئًا لم يحدث، لذا أعود وأقول الصراع الأهلي سيء جدًا، فبين صداقتنا الأولى وعودة الودّ بكل بساطة، حدث ذلك في صيف عام 1995، لقد فقدنا حقيقة الكثيرين من الأرواح الشابة من كل الأطراف، أولئك الذين فقدناهم لم يكونوا وافري الحظ، ليشهدوا عودة المودة إلى ما كانت عليه، ولم يكونوا أحياء ليروا بأعينهم كيف عادت الحياة إلى طبيعتها في البلاد وكيف أن المياه إلى مجاريها بين الأهالي.

وللحديث بقية

 

عن قلم التحرير

شاهد أيضاً

حكايات من التراث الصومالي

حكايات من التراث الصومالي7: (لسان التمساح)

حكايات مترجمة من التراث الصومالي ترجمة فريق المركز في غابر الأزمان، لم يكن للثعلب لسان، …

2 تعليقان

  1. ما هي الحرب التي يتحدث عنها هنا؟ لعلكم تذكرون تفاصيل اكثر عن خلفية حرب ١٩٩٣ التي انتهت في ١٩٩٥ كما ذكر هنا.. ما كانت أسباب الحرب ومن هي العشائر التي شاركت فيها ضد القوات المسلحة؟

    جهدكم في إعداد هذا الحوار مشكور والشكر موصول كذلك السيد قرا يره

  2. قلم التحرير

    الأستاذة نجمة
    تحية طية وبعد
    يسعدنا استلام تعليقك، ونرجو أن يتسع صدرك لنا، وفي الحقيقة هذا الجزء المنشور حلقة من حلقات، حول حياة “مواطن عادي” في صوماليلاند، وليس الهدف التركيز على التأريخ التفصيلي لتلك المرحلة، أي أننا محكومون بما تدلي به الشخصية التي يتم الحوار معها، وما نراه ملائمًا للنشر دون إثارة متعمدة للذكريات والحزازيات المؤلمة لمرحلة نرجو أننا قد تجاوزناها..
    لكن ذلك كله لا يعني أننا سنعمل على إيجاد طريقة لطرح مواضيع حول تلك الفترة، بما يتيح للجيل الجديد الناطق بالعربية معرفة جانب من تاريخ قومه متجنبين كل ما أسلفنا ذكره من إثارات النعرات..
    وبالتأكيد يهمنا أقتراحك ويسرنا تسلم المزيد من المقترحات والمساهامات معنا أيضًا.
    وشكرًا لك