الرئيسية / ثقافة / برارُغ.. مساحة للكتاب العربي

برارُغ.. مساحة للكتاب العربي

الكاتب: صهيب عبدالرحمن، كاتب ومترجم، مهتم بالثقافة والمعرفة.

البريد الإلكتروني: Zuheibar@gmail.com

يتعرض الكتاب العربي للتجاهل منذ سنوات طويلة من قبل أوساط القائمين في العمل الثقافي، مثل تظاهرة معرض هرجيسا الدولي للكتاب التي يقام مرة في كل سنة، إذ يغيب عنها الكتاب العربي بشكل تام، مما يوحي بوجود سياسة ممنهجة ترفع شعار مقاومة اللغات الأجنبية، لكن دعوتهم تلك ليست جذرية كحال الكيني واثيونغو الذي توقف عن الكتابة بالانجليزية منذ السبعيات. بل تقتصر مقاومتهم اللغوية على تشغيل صافرات إنذار نشاز تحذر من التعريب واللغة العربية حصراً. فما الأسباب الخفية لتلك المخاوف؟!

قبل ذلك، لنتذكر “التمايز” الحاصل لسكان القرن الإفريقي  في تجربتهم، عن تجارب التعريب التاريخية في أماكن أخرى، حيث أن من وفد الي القرن الإفريقي من ناشري الاسلام ما لبثو ان اختلطو بالسكان المحليين، بدون تغيرات لغوية حقيقية. وبوجه أعم بقي سكان القرن الافريقي شبه منعزلين عن الحضارة العربية الإسلامية وتفاعلاتها، علاوة على أنهم لم ينصهرو في مزيج تلك الحضارة ولغتها بعد دخول الإسلام إليهم، على عكس حالات سكان شمال إفريقيا والحواضر الشامية والمصرية وما تلى من سلطات حاكمة متمثلة بمماليك ترك وكرد وألبان وقفاسيين من إثنيات مختلفة، امتزجوا جميعا تحت مدنية ولغة واحدة.

فماذا يعني اليوم هذا الكلام عن “تعريب حديث؟

يتعلق سجال التعريب الذي يثار من فينة لأخرى بمسألة انضمام الصومال (في تجربة الوحدة) لجامعة الدول العربية، وحسب ما يلاحظه الباحث والشاعر الصومالي محمود محمد حسن عبدي فهذا الانضام ينضوي على تناقض بنيوي، فبالإضافة الى شرط مؤسسة الجامعة بان تكون الدولة العضوة دولة “أغلبية” سكانها تتحدث اللسان العربي، راح النظام الاشتراكي في منحى آخر في فترة الإنضمام الى الجامعة العربية، وتبنّى سياسة قومية لغوية، إذ بدأ في حينه موجة صوملة المناهج الدراسية وكذلك الإعلام وترجمة الكتب، واعتمد في حينه تدوين اللغة الصومالية بالحرف اللايتيني، واستبعد الحرف (العربي) من الكتابة الصومالية.

يخلص محمود محمد حسن عبدي في مقالته تلك بأن ما وراء الانضمام إنما كان بحثا عن وهم ما، عن أمن ما مفترض مشترك..

(ولم يكن خفيًا تورّط النظام الدكتاتوري الصومالي مع المنظومة السياسية العربية، في السعي لخلق مقاربة مختلة لذلك الارتباط القديم بشكله المستحدث، في سبيل البحث عن مخرج من الحصار الذي كانت فيه الصومال، نتيجة للتقسيم الذي على أساسه تم استقلال البلاد، بحيث لم يكن يجد المحللون العرب أي غضاضة في الحديث عن الانضمام الصومالي للجامعة العربية، كضرورة برغماتية محضة تحقق حدًا أدنى من الإيجابيات في سباق جمع الأوراق التي يمكن استخدامها أمام “دول الجوار بالنسبة للصومال” و”الكيان الصهوني والغرب بالنسبة للعرب”، في حال تصاعد الأوضاع وتم الاحتياج إلى ذلك.)

 

غزو الإسلام الوهابي

يجد أصحاب التوجه الرافض “للتعريب” (وليس من ثمة تعريب، كما سنبين لاحقا) موجات الأسلمة والأخونة والوهبنة، التي عملت على تجفيف كل ما له علاقة بإسلام محلي. مطية لتنميط العربية وثقفاتها، وحصرها على تلك المتداولة في الفضاء الديني.

وهنا من المفيد ان نورد ملاحظة للفرنسي “أوليفييه روا” في معرض حديثه عن السياسات اللغوية للتيارات الاصولية والسلفية في العالم المسلم الغير عربي، يشير بأنهم يستخدمون اللغة العربية كمَعْلَم ديني ينفع في ضبط إيقاع الخطاب باللغة الصومالية، وهم يخلطون تعابير وجمل غير مترجمة.

لكن لنسأل: ماذا كان أشكال الحضور العربية في الصومال، قبل عصر السلفية، لا شك أنها كانت ترتبط بشكل جوهري بالدين، فالعربية لغة القرآن، والقرآن “غير مخلوق” وهو مكتوب باللغة العربية، إنها لغة المقدس، لغة الإنشاد الشعري والمدح النبوي. في خارج ذلك، لن نجد غير إهتمام بعض العلماء الذي يبذلون جهودا منقطعة النظير، في تدراس اللغة العربية وفنونها، من نحو وصرف إلى أخره.

وحتى نعود الى الجدل المنتشر حاليا، إلى اي مدى توجد توجهات رامية للتعريب، وماذا يعني التعريب في الأساس، وهل هو ممكن، يتبين لنا بكل إختصار ان الأمر مجرد إشاعة تتكرر بسبب سوء التقدير لمكانة اللغة العربية وآدابها، والترجمات الحديثه التي تصلها، فهناك صورة وواقع يقوم بإرجاع اللغة العربية إلى خاصيتها المقدسة. وهذا تعني من ضمن ما تعنى انتصار الفكرة السفلية بتصوير العربية في أذهان المسلمين بانها لغة دينية، وليست لغة دنيوية.

المعرض الأول للكتاب العربي

بتنظيم فريق من الشباب والشابات، أقيم في هرجيسا أول معرض للكتاب العربي، وبجهود شخصية تم عرض إصدارات أهم الناشرين العرب، بعد أن تم الشراء منهم مباشرة وشحنها الى هرجيسا. ويقوم هذا المعرض منتدى “برارُغ”، وهو منتدى يعرف نفسه بأنه مهتم بالثقافة والفكر عامة.

 جانب الندوات:

شارك بعض الكتاب والباحثين بإلقاء محاضرات عامة في عدة ندوات مختلفات، على مدى اليومين الذي اسمتر فيها المعرض.

تحدث الشاعر والباحث محمود محمد حسن عبدي في محضارة عنوانها، التاريخ القديم للصوماليين، كيف نقرأ الطروحات المتباينة”. طرحنا عليه سؤال ماالذي يعيق تقديم تاريخ مستقر للصوماليين حتى الأن، وكيف نقرأ الطروحات المتضادة حول ذلك الشأن، فجاء رده. :

(أنه من الضروري أن نخرج أنفسنا باكرًا من حالة التضاد أو التناقض بين من نحن “ضمن مجموع بشري أكبر يمتد – جينيا – جنوبًا إلى جنوب إفريقيا وشرقًا حتى أفغانستان وشمالًا حتى ألمانيا وغربًا حتى موريتانيا، وكذلك من نحن لغويًا من بلاد الرافدين شرقًا حتى المغرب الأقصى ومن سفوح الأناضول حتى سهوب تنزانيا لغويًا، وفي بقعتنا التي تحتضننا بلغتنا الخاصة وتقاليدنا وتراثنا القريب”، وبين كوننا كتلة حية تؤثر وتتأثر بالمحيط، وتحمل الحد الأدنى من التميز والفرادة، بحيث يمكننا حين إمتلاكنا هذا الوعي المستنير والمتسامح أن ننقل لأبنائنا وأحفادنا تصورنا الأنبل عن أنفسنا، مهما كانت الظروف الآنية التي نعيشها اليوم، إننا نستحق أن نكون ممتنين ومقدرين – دون فخر سطحي – لما نمثله ونكون عليه، دون أن نعرض وجودنا للمساومات التي يفرضها وضع لبنات وجودنا في مهراس صراع مدمر، يهواه من يستذل بمذلة الحصول على الفتات لقاء إقعائه أمام محسن أجنبي يلقي إليه بالفتات)

من جانب آخر، ولإيجاد حل للعزلة المضينة التي تمربها الثقافة الصومالية، تحدث الكاتبان، حمدة محمود حسين، وليبان عيسى عن دور الترجمة، والحاجة اليها في القوت الراهن.

معروف ان الصوماليين ليس لديهم دولة تجمعهم، الصومال المنهار يسعيد عافيته ببطء، ولا يبدو قادرا على الاهتمام بالثقافة، صوماليلاند هي الأخرى، مشغولة بتثبيت أقدامها كدولة مستقلة، أما جيبوتي الأوفر حظا من صوماليلاند بحيازتها الاعتراف الدولى، فهي الأخرى لا تقدم الكثير بهذا الخصوص، فقد اعتمدت قبل سنوات قاموس مرجعي للكلمات الصومالية، لكن يبدو غير كافٍ، في ظل التطور السريع لكل ما حولنا من العالم.

 

 

عن قلم التحرير

شاهد أيضاً

تفجير البلدية

ما الذي دفع امرأة الى تفجير نفسها في بلدية مقديشو؟

الكاتب/ سعيد طيب كان الطبيب “جوزيف غوبلز “الرجل الثاني في هرم الدولة الألمانية (النازية) وزيرا …