الرئيسية / تنمية / التنمبة الإقتصادية / مشكلات المياه في صوماليلاند وحلولها/ لقاء مع خبير المياه محمد عبدي محمود

مشكلات المياه في صوماليلاند وحلولها/ لقاء مع خبير المياه محمد عبدي محمود

على مر الأزمان نجح إنسان أرضنا في التجاوب مع متغيرات طبيعتها، ومراكمًا الخبرات والمعارف في تجاوز أصعب أحوالها، وعلى الرغم من الظروف التي عايشها، فإن مساعيه للنهضة وإعادة الإعمار، وتجاوز كل العقبات سواءًا الطبيعية أو المصطنعة، فقد اجتهد كثيرًا في التأقلم والخروج بأفضل النتائج الممكنة، وقد تكون عودة الكوادر الوطنية، بما حملته من معارف وخبرات مدخلًا للمزيد من التقدم، مشروطًا ذلك بمنحها ما تستحق من تقدير من ناحية، والاستماع إليهم وما يقدمونه من مشورة واقتراحات، تسهل إلى حد كبير الاستفادة من جهودهم ومعرفتهم، ومن ثمّ التعجيل بتقدم المجتمع نحو ظروف معيشية أفضل، باتجاه تحقيق ثروة جمعية تقلل من آثار الفقر، وتسرّع في الارتقاء اجتماعيًا واقتصاديًا.

ومن هذا المنطلق، حرص مركزنا “مركز هرجيسا للدراسات والبحوث”، واستجابة لحالة الجفاف المتكرر الذي أثر في البوادي والفئات المنتجة من المجتمع، وكذلك استجابة لحالة شح المياه وتدني جودتها وتعسر وصولها لسكان المدن، كان لزامًا أن نتواصل مع أبناء الوطن من ذوي الخبرة في المجال، والاستعانة بما يرونه وما يقترحونه، فكان ذلك سرّ تواصلنا بالسيد “محمد عبدي محمود” أخصائي المياه والاستشاري الفني لدى العديد من منشآت المياه المعدنية في صوماليلاند، فكان لنا معه هذا اللقاء التالي:

مركز هرجيسا للدراسات والبحوث: السيد/ محمد عبدي محمود، هل يمكنك أن تعرفنا قليلًا بنفسك، وخبراتك؟

السيد/ محمد عبدي محمود: بداية يسرني تواصلكم معي، وهو أمر يشرفني، ويثلج الصدر حقيقة اهتمامكم بشأن المياه في وطننا “صوماليلاند”، ويلفت نظري حقيقة مقاربتكم غير التقليدية في البحث عن ذوي الخبرة،  على خلاف الطريقة النطمية لبعض العاملين في الإعلام، واكتفائهم بالتواصل مع المسؤولين الحكوميين حصرًا، ما قد يحرمهم ويحرم متابعي وسائلهم الإعلامية، فرصة التعرف عن كثب بما يجري على الأرض، دون مؤثرات العمل السياسي التي قد تؤدي إلى حجب جانب مهم من المشاكل وحلولها الممكنة على المتابعين والمهتمين من أبناء شعبنا، وللإجابة على سؤالكم فأنا “محمد عبدي محمود”، استشاري تقني لعدد من شركات المياه المعدنية هنا في “صوماليلاند”، أقدم لها حصيلة خبرات عملي منذ سنة 1980م  ولأكثر من عشرين عامًا في “برنامج تشغيل وصيانة مياه مدينة الرياض” في عهد إدارة الأمير/ سلمان بين عبدالعزيز أمير  منطقة الرياض حينها، والعاهل السعودي الحالي.

مركز هرجيسا للدراسات والبحوث: نلمس أزمة مياه حادة في العاصمة هرجيسا، هل يمكنك أن تحدثنا عن أبعادها وبعض ما يخفى عن المواطنين العاديين في ذلك الشأن؟

السيد/ محمد عبدي محمود: نعم هناك أزمة مياه حقيقية في هرجيسا، وهو أمر ليس له ما يبرره، فهناك مخزون وفير من المياه الجوفية، وبجودة عالية، إذ يتوفر 12 بئرًا منتجة للمياه في منطقة “حمباويني” وهناك آبار “بيو-شيناها” و هناك منطقة “جليلو” التي يتم الاستفادة من مياهها بشكل اقتصادي ومحدود للغاية في إنتاج المشروبات الغازية، ولاشك في أن وفرة المياه في كل تلك المناطق القريبة من العاصمة هرجيسا، لا يبرر وصول شبكات المياه فقط لـ 20% من سكان العاصمة، في حين يناضل 80% من سكان المدينة يوميًا للحصول على حاجتهم من الماء، بكلفة عالية وجودة غير مضمونة لدى ناقلات المياه “بويات”. ولأكون واضحًا أكثر، سأقول: المشكلة الحقيقية ليست في قلة المياه، بل هناك خللًا في تنفيذ المشاريع والتخطيط لشبكات المياه، وصيانة ما هو قائم!

مركز هرجيسا للدراسات والبحوث: بالحديث عن وفرة المياه الجوفية، هل يمكنك إعطاؤنا صورة عامة عن وفرة المياه في صوماليلاند عمومًا، أي بإلقاء الضوء على أكثر المناطق وفرة في المياه الجوفية؟

السيد/ محمد عبدي محمود: المياه الجوفية في بلادنا متوفرة بصورة مجملة، ويدل على ذلك وجود الكثير من الينايع غير المستعلة إلى الآن، ومنها انتاعشر نبعًا غزير الإنتاج أهمها عين “بيو كولول” وعين “دوبار” وسواها، ناهيك عن العيون الصغيرة والمتفرقة، المنتجة منها وكذلك التي يمكن إعادتها للحياة بجهد بسيط. وعلى العموم فإن خزانات المياه الجوفية في البلاد توجد على أعماق معقولة تتراوح حسب نوعها ما بين عشرين مترًا قرب الأودية حتى 300 مترًا في أقصى أعماقها، إلّا أنها بالمجمل تختلف في العمق والجودة من منطقة إلى أخرى، فعلى سبيل المثال، ترتفع جودة المياه في المناطق الوسطى “محيط العاصمة هرجيسا” والمناطق الساحلية، إلّا أن أعماقها هي الأكبر هناك كذلك، حيث تصل أعماق الطبقات المنتجة للمياه من 100 إلى 120 مترًا، ونسبة الملوحة في المياه بحدود 350 جزءًا في المليون، ما يجعلها صالحة للاستهلاك البشري بالدرجة الأولى، في حين أن المناطق إلى الغرب “محافظة أودل” وإلى الشرق “محافظة “توغطير” ينخفض العمق كثيرًا كما في محيط مدينتي “بوراما” و”برعو” إذ يبلغ 60م مترًا إلّا أن جودة المياه تنخفض، لارتفاع نسبة الملوحة لتكون ما بين 800-1000 جزء في المليون، ما يجعلها مفيدة في الأنشطة الاقتصادية كتربية الحيوانية والزراعة بالدرجة الأولى.

مركز هرجيسا للدراسات والبحوث: هل يمكنك في عجالة تحديد العوامل الأساسية المؤدية إلى عدم قدرة المجتمعات في صوماليلاند، على الإستفادة من كل تلك الإمكانيات المائية التي أثبتت البحوث وجودها ووفرتها وتنوعها؟

السيد/ محمد عبدي محمود: سؤال مهم حقيفة وهو ما يؤرق كل من يحمل خبرة مفيدة ويسعى لتسخيرها في خدمة وطنه وشعبه، ومع أن الحديث ذو شجون، فإنني سأنزل عند طلبكم بمحاولة إختصار المسائل في الأمور التالية، وهي عدم كفاءة القطاع الحكومي من حيث تولي عدد من قليلي المعرفة وعديمي الخبرة وضعاف النفوس – كذلك – لمناصب مهمة في قطاع المياه، مما يجعل ذلك القطاع ليس فقط عاجزًا عن وضع الخطط واتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة لتوفير الاحتياجات، بل هناك فشل حقيقي وواضح في تنفيذ الخطط التي تقدمها وتمولها منظمات دولية كالـ”يونيسيف” والتي دخلت في مواجهة حقيقية مع هيئة إدارة المياه في مدينة هرجيسا، بعد انكشاف تخلص تلك الإدارة من المواد المعقمة للمياه، وتلويث الوديان بها، بدلًا من إضافتها للمياه في شبكة العاصمة، وهو ما ينذر بأن سكان المدينة يعيشون تحت طائل خطر حقيقي وغير ضروري، ناتج عن جهل المسؤولين وفسادهم، والذين تتم ملاحظة إصدارهم الأوامر لتعقيم المياه في أوقات تفشي أوبئة الإسهال المائي والكوليرا فقط! في حين يستمر تلويث الأودية بالمواد المعقمة التي تم التبرع بها من المنظمات الدولية، بعد امتلاء المستودعات بها، وهو ما لا يمكن فهمه بأي حال من الأحوال، ويمكنني أن أؤكد لكم أن هذه النقطة ليست سوى غيض من فيض الفشل والناتج عن الجهل والفساد وقلة الضمير!

مركز هرجيسا للدراسات والبحوث: من المؤكّد أن مشاكل الفساد والمحسوبية إحدى أسباب عجز القطاع الحكومي وفشله الخطير في أداء واجباته، فهل هناك ما يمكنكم الإشارة إليه حيال القطاع الخاص، خصوصًا في مجالي حفر الآبار وتنقية المياه؟

السيد/ محمد عبدي محمود: جيد جدًا، تنقسم أعمال حفر الآبار إلى نوعين أساسيين، أحدهما حفر الآبار بالطرق الحديثة، في حين أن الآخر هو حفر الآبار بالطرق التقليدية، ويعتمد نشاط حفر الآبار العميقة بالطرق الحديثة وما يرافقه أحيانًا من تنقية للمياه في صوماليلاند، على نوعين من المشاريع بالآساس، هما مشاريع حفر الآبار للمنظمات الخيرية الإسلامية، وحفر الآبار للمشروعات الزراعية، ونظرًا لقلة عدد المشاريع المنفذة، تبقى أسعار حفر اللآبار غاية في الارتفاع، خاصة أن الأعمال تتم في أماكن نائية بعيدة إلى حد ما عن الطرق الرئيسية، وهو ما يزيد كلفة أعمال الحفر ويؤدي إلى طول مدد التنفيذ، خاصة أن قلة الاستثمار تؤدي إلى عدم توفر قطع الغيار والمستلزمات الطارئة في موقع العمل، أما بخصوص النوع الثاني وهو “حفر الآبار بالطرق التقليدية” فإنه يعتمد على الخبرة التقليدية للباحثين عن خطوط حركة المياه الجوفية، لتحديد نقاط الإنتاج الأقصى للمياه، وحفر الآبار بالقوة العضلية للعمال، وهو ما يحمل سلبيتين رئيسيتين و هما طول مدة التنفيذ وضحالة عمق البئر.

إن من المؤسف حقيقة أن تصل كلف حفر بعض الآبار بالحفارات الآلية بعمق 155 مترًا إلى أكثر من ثلاثين ألف دولار أمريكي (30000)، وأن تبلغ كلفة حفر بئر بالطرق اليدوية بعمق 18 مترًا إلى سبعة آلاف دولار أمريكي، وهو ما يعيق القطاع الزراعي عن التوسع والتقدم، في حين أن هناك من الحلول والبدائل ما يسمح بتسهيل تلك الآعمال وتقليل كلفتها إلى الحد الأدنى، بحيث يكون متاحًا لقطاع أوسع من الشعب الحصول على احتياجاته الكافية من الماء، ويحافظ أفراده على صحتهم ويتوسعوا في القيام بنشاطات اقتصادية لا غنى لها عن الماء كالزراعة وتربية الحيوانات والصناعات التقليدية والحديثة!

مركز هرجيسا للدراسات والبحوث: أصبح واضحًا لدينا الأسباب المؤدية إلى عدم قدرة المجتمع في صوماليلاند على الاستفادة من ما هو متاح له من إمكانيات في قطاع المياه، فهل لديك ما تضيفه إلى القراء من واقع خبرتك الطويلة في المجال؟

السيد/ محمد عبدي محمود: من المهم جدًا الإيمان بغنى هذه الأرض التي وهبنا الله خيراتها التي على سطحها، والمخزونة داخلها، وهو كلام ينطبق على كل أشكال الثروة ومجالات النشاط البشري، إلّا أن تركيزي سيكون على المجال الذي أفنيت معظم عمري وأنا أعمل به وهو مجال المياه، وعلى الرغم كذلك مما لمسناه من تقاعس الدولة وتخليها عن دورها هذا خلال ربع القرن الماضي، فإن الإنسان المحب لوطنه ملزم بالبحث عن البدائل، فعلى سبيل المثال، أن يعتني هو بنظافة المياه التي يستهلكها بتركيب “فلاتر” للمياه في حال شعر بتراجع نوعية المياه، والحرص على تعقيم المياه التي يقدمها للأطفال الصغار والمرضى حتى لا يدع مجالًا لحدوث ما لا تحمد عقباه، أما بخصوص موضوع توفير المياه عبر حفر الآبار بأقل الكلف والجهد الممكنين من جهة فهناك الكثير من البدائل التي يمكن للمواطن أن يجدها، وتحلية المياه وتنقيتها من الأملاح الزائدة والرواسب من جهة أخرى، فهذا هو مجال اختصاصي الأساسي، ويمكنني أن أقدم الحلول الأنسب عبر عمل التصماميم بكلفة اقتصادية وتركيبها في مواقع الحاجة إليها، مع الحرص تقليل ما يتم استيراده خصيصًا للمشروع بالحد الأدنى، وذلك النوع من المستوردات هو ما يؤدي بالأساس إلى رفع كلف مشاريع من ذلك النوع، إنني متفائل جدًا لمستقبل صوماليلاند وطننا، وسيسعدني دائمًا أن أمارس تفاؤلي هذا بتقديم كل ما هو ممكن من دعم تقني واستشاري لكل راغب من أبناء هذا الوطن في تحقيق اللازم من الكفاءة والوفرة الممكنة في قطاع المياه، بدئًا من الطرق الاقتصادية في حفر الآبار ومعداتها، وصولًا إلى ضبط جودة المياه المنتجة من تلك الآبار حسب النشاط الذي تم حفرها لأجله. شاكرًا لمركز هرجيسا للدراسات والبحوث على هذه الفرصة الكريمة التي سمحت لنا بالحديث عن موضوع غاية في الأهمية والحيوية لنمو أي مجتمع بشري، خاصة شعبنا الذي نرجو له ما يستحق من نمو وتقدم.

مركز هرجيسا للدراسات والبحوث: لا يسعنا سوى تقديم امتنانا الكبير للسيد/ محمد عبدي محمود خبير المياه المقيم في في مدينة “هرجيسا”، على الوقت الثمين والمعرفة المهمة التي قدمها لنا، وقد استأذناه في تقديم تفاصيل التواصل معه، ليتسنى للقراء والمهتمين الحصول على المزيد من المعلومات والعون من قبل الخبير، وقد تكرّم و أذن لنا مشكورًا فكانت كالتالي:

محمد عبدي محمود خبير استشاري في المياه

هاتف                      : 00252634416549

بريد إلكتروني        : xamada6549@gmail.com

عن قلم التحرير

شاهد أيضاً

Sustainable agriculture-الزراعة المستدامة

Sustainable agriculture-الزراعة المستدامة (3-5)

التربة: سريعًا ما أصبحت تعرية التربة إحدى المشكلات الكبرى على مستوى العالم. ووفقًا للتقديرات، “يتعرض …