الرئيسية / إنتخابات صوماليلاند - تغطية خاصة / السياسة العشائرية والانتخابات الرئاسية لسنة 2017 في صوماليلاند (2-3)

السياسة العشائرية والانتخابات الرئاسية لسنة 2017 في صوماليلاند (2-3)

منافسة عشائرية: كولميه ضد وطني

إن اللاعبين السياسيين في صوماليلاند، سواء في الحكومة أو في المعارضة، داخل دوائر الدولة أو غيرها، لا يرغبون في الاستماع إلى الأصوات الناقدة من الجمهور، ويفضلون بدلا من ذلك أن يتملقهم المغتربون العائدون الباحثون عن المناصب، ولكن في الغالب الأعم، أصبح الناس في صوماليلاند على وعي تام بعشائرية القيادة، وكثير منهم يتجاهلون الانتخابات باعتبارها عملية غير مجدية تضفي الشرعية على قوة فئات محددة، في حين تحد من فرص فئات آخرى في تولي منصب الرئاسة. وفي يوليو / تموز 2017 في لندن، أبلغني العديد من كبار السن من صوماليلاند أن العديد من المواطنين العاديين في المنطقة قرروا مقاطعة الانتخابات القادمة من خلال عدم التسجيل للحصول على بطاقات تصويت. هذا ليس فقط لأنهم لا يرون أي فرق بين الأحزاب السياسية المتنافسة، “كولميه” و “وطني”، ولكن لأن كلا الطرفين ينافسون بالاعتماد على بطاقة العشائر، وليس الاختلافات الأيديولوجية أو المبدئية ذات مغزى للفوز في الانتخابات. حيث أن بعض اللاعبين السياسيين، الذين يتألفون من أعضاء المتشددين في حزب كولمي، بما في ذلك رجال بارزين مثل ممثل الأمم المتحدة السابق في دارفور، محمد بيحي يونس، وعضو حركة الإتحاد الإسلامي السابق حرسي حاجي علي، هم الآن مع المعارضة في حزب “وطني”.

غالبية الناس في هرجيسا، بما في ذلك النخبة والعشائر العادية، من أنصار أقوياء للمحارب القديم الرائد موسى بيحي، ولا يمكن لؤلئك المؤيدين الانتظار حتى يشهدوا فوز حزب كولميه في الانتخابات (ملاحظات المؤلف الميدانية، هرجيسا، 10 يوليو- 15 آب / أغسطس 2016). ويذكرنا تأييد موسي بيحي من قبل جمال علي حسين، وهو ناشط شاب فاعل، بكتاب “إيوان لويس” الكلاسيكي (الديمقراطية الرعوية لويس-1961) حين يقول جمال: إبلنا أنا و موسى بيحي تشرب من نفس الآبار).

ويبدو أن رجال الأعمال البارزين من عشيرتهم، الذين يجمعون بين ريادة الأعمال والانغماس سياسات صوماليلاند بوصفهم المؤيدين الماليين الرئيسيين لإدارة “الرئيس عقال”، يدركون أن الأعمال التجارية يمكن أن تكون أكثر ربحية تحت سلطة سياسية مواتية يقودها أحد أفراد العشيرة؛ وبالتالي، توقعاتهم كبيرة من صوماليلاند مزدهرة تحت رئاسة موسي بيحي. ومع ذلك، فإن جماعات المعارضة والمجموعات الفرعية تشعر بالتهميش بشكل متزايد نظرًا التأثير السياسي والاقتصادي المتنامي لأولئك الذين هم على مقربة من دائرة السلطة الداخلية. ويعبر هذا الشعور بوضوح في الانتقادات المستمرة التي أكدها بشكل واضح عضو البرلمان الصريح “سعيد علمي روبله”.

في قلب التنافس الرئاسي بين حزبي “كولميه” و”وطني” السياسيين يكمن التدافع التقليدي بين عشائر كل من المتسابقين للمقعد الرئاسي. والانتخابات المقبلة، التي يصر عليها بعض المثقفين المحليين الحميمين، تنطوي على الفخر والسلطة، وهو عامل يضيف مزيدا من الوقود إلى الحملة السياسية الساخنة بين العشائر التي يمثلها موسى بيحي وعبد الرحمن عرّو (مقابلات ميدانية، هرجيسا، 10 تموز / يوليو – 15 آب / أغسطس 2016).

في حين أن بعض الناس قد لا يرى المرشحين المتنافسين من بين أفضل ممثلي “الزبدة السياسية”، إلّا أن بيحي و عرّو متنافسان رئاسيّان قويات، سواء من حيث التأييد والطابع. ومع ذلك، فإن إيرو، على وجه الخصوص، مقتنع بأن عشيرته، والمدعوما من قبل اللاعبين السياسيين من “بوراما” والمجموعات المتعاونة معهم سياسيًا من “بوهودله”، والمتشككة من التفوق العشائري لعشيرة موسى بيحي، يمكن أن تساعده – أي عرو – على النصر.

العديد من المثقفين المحليين ينتقدون موسى بيحي متهمينه بعقلية العسكر، وتعابيره المخيفة التي اكتسبها نتيجة لسنواته الست في الأحراش بقيادة مقاتلي الحركة الوطنية الصومالية (مقابلات ميدانية، هرجيسا، 10 يوليو -15 آب / أغسطس 2016). ونظرا لسجله في الحرب الأهلية والمعارضة السابقة لـ”الرئيس الأسبق عقال”، الذي يتم تبجيله الآن في صوماليلاند باعتباره  “الأب المؤسس”، فإن النقاد ينظرون إلى موسى بيحي كرجل يحمل الكثير من النقاط المثيرة  للجدل، ومع ذلك فإنه قادر على تقديم قيادة قوية، كما ذكر الكثيرون في هرجيسا، إذا كان يظهر المهارات الشخصية اللازمة للتفاعل مع الجمهور (مقابلات ميدانية، هرجيسا، 10 تموز/يوليو – 15 آب / أغسطس 2016).

كثيرا ما يستخدم مناوئوا موسى بيحي السياسيون إعلانه الشهير للحرب ضد بعض جماعات المعارضة خلال الحرب الأهلية في صوماليلاند (1994-1997).

وبالإشارة بشكل خاص إلى قصيدة حرب سيئة السمعة –

(anigoo wax dili kara duco qaadan maayee dabci qorigu ha ifuro) أي (حين يمكنني أن أمارس القتل كما يحلوا لي، لن أقبل سوى ذلك حتى إن كان دعاءًا صالحًا، لذلك لقّم البندقية لأطلق العنان لسخطي).

إن الناخبين في حزبي كولميه ووطني يضعون في الوقت نفسه وزنهم وراء مرشحيهم الرئاسيين على حسب التمايزات العشائرية، وتلك الخاصية يمكن أن تعرض للخطر الاستقرار في صوماليلاند،  الحجة المضادة السائدة هي أن مؤيدي “موسى بيحي” و”عبدالرحمن عرو” لا يرون أي نقاط ضعف في أي من المرشحَيْن، بل يتوقعون أن يقوداهم  إلى مراعي أكثر خضرة. وضمن نطاق التحليل السياسي-العشائري، فإن المراقبين المحليين يلاحظون أن غير المنتسبين إلى أي من جماعات العشائرية المتنازعة أن العداء بأكمله يدور حول الجشع الذي لا هوادة فيه لنهب خزائن الدولة، وتلك هي الفكرة التي تطغى على كل شيء آخر (مقابلات ميدانية، هرجيسا، 10 تموز / يوليو-15 آب / أغسطس 2016). ولا ينبغي أن يمر دون ملاحظة أحد أن الرئيس “سيلانيو” قد حقق الفوز في الانتخابات الرئاسية في عام 2010 في إطار حل وسط يشير البعض إلى “اتفاق رجال محترمين” داخل العشيرة المهيمنة: أنه كان الوقت المناسب لـ”سيلانيو” أن

يتولي الرئاسة، حيث أن العشائر الفرعية الرئيسية الأخرى قد شغلت مناصب رفيعة من قبل مما يشير إلى المدد الرئاسية التي تولّى فيها كل من عبدالرحمن أحمد علي “تور” (1991-1993) ثم محمد حاجي ابراهيم عغال (1993-2002)، فإن عشيرة عبد الرحمن تور (التي ينتمي إليها عبدالرحمن تور في هذه الحالة) تجد نفسها الآن

في موقف أكثر صعوبة للفوز في الانتخابات القادمة، وذلك أساسا لأن السلطة والثروة هي إلى جانب العشيرة المنافسة. وبالمثل، لا أحد يعرف ما سيحدث في حال أن ابن عشيرة الراحل عغال عشيرة ( موسى بيحي، وإن كان من فرع مختلف من ذات العشيرة، وهو فرع أكثر تأثيرا وقوة من الذي انتمى إليه عغال)، التي تعتبر في المقام الأول القوة الدافعة الرئيسية للأنشطة الاقتصادية في مدينة هرجيسا، بالإضافة إلى اأنها تشغل اثنتين من أهم أحياء العصمة، “جيغيجا-ير” و”حيرا-أور”، في حال خسرت الانتخابات لمتنافس من عشيرة منافسة. وفي حال خسرت عشيرة “عرو” التي خسرت الانتخابات،

وهو ما قد حدث مرتين في الماضي (الأولى في عام 1993 عندما  تولّى “عغال” السلطة

وحل محل “تور” في ما اعتبره أقرباء هذا الأخير انقلابا، والثانية في عام 2010، عندما أيدت معظم عشيرة “عرو” أيدت “طاهر ريالي”، فما الذي سيحدث هذه المرة إذا أصر “عرو” نفسه على أن الانتخابات كانت مزورة وقد قام بتحريفها الرئيس المنتهية ولايته والدائرة الداخلية لأقاربائه لضمان فوز مرشحهم المفضل “موسى بيحي” بالانتخابات؟ ومثلما هو الحال في جنوب الصومال حيث لا تتوفر إحصاءات ملموسة، فإن المشكلة الانتخابية تفاقمها أساطير الجماعات التي تدعي أنها

الغالبية غير المرئية “أو” الأغلبية المهمشة “داخل المجتمع الخاضع للهيمنة الفئوية.(مقابلات ميدانية، هرجيسا، 10 تموز / يوليو- 15 آب / أغسطس 2016).

وقد بدأ التذمر لدى هذا الجزء من سكان صوماليلاند، وبعبارة أخرى “عبد الرحمن تور” و عشيرته، خلال عصر عغال، عندما هزم عبد الرحمن تور في محاولته التمسك بالرئاسة في مؤتمر بوراما في عام 1993. قد ترجم ذلك التذمر في وقت لاحق إلى نزاع مسلح، أولا بين عشيرة “تور” مقابل عشيرة “عغال”، ونزاع ثان، بين عشيرة “تور” وعشيرة “سيلانيو”.

وما زالت تداعيات ذلك النزاع المسلح واضحة بجلاء

في نفوس الناس، وكلما كان العنف موشكًا، فالحروب الأخيرة بين مختلف العشائر المتنافسة كانت مثالًا على تركة الحرب المدمرة (مقابلات ميدانية، هرجيسا، 10 تموز / يوليو- 15 آب / أغسطس 2016).

إن إعادة التفكير في تلك الحوادث المسلحة التي وقعت في الماضي مقابل المناخ السياسي السائد حاليًا، والذي يزداد حدة أكثر من أي وقت مضى، فإن من شأنه أن يجعل كل الخيرين يلهجون بالدّعاء من أجل السلام في صوماليلاند، حتى لا يتم تعكيره بصورة غامضة بمواجهات عشائرية كما في الماضي، عندما تعلن نتائج الانتخابات في تشرين الثاني / نوفمبر، والأمر الأكثر إثارة للقلق أن يتصور الضرر الذي قد يلحق بطبيعة الاندماج العشائري بين المجموعات التي تتشاطر تاريخا من التزاوج، والذي من الطبيعي  أن يخلق إحساسا بالسلام فيما بينها. على سبيل المثال، نادرا ما يكون اللاعب السياسي من أب و أم يرجعان لنفس العشيرة الفرعية. إذ ينبغي أن يكون هذا النوع من العلاقات الحميمة جدير بالثناء من أجل تحقيق المودة والاستقرار بين شعب صوماليلاند، من أجل المضي قدما في المشاريع الإنمائية التي يحتاجها الشعب بدلا من الانخراط في سياسة الكراهية والانقسام الاجتماعي. ويعزى القلق من نتائج الانتخابات إلى أن الانتخابات المقبلة في صوماليلاند أدت إلى استفزاز الجمهور في هرجيسا والمدن الرئيسية الأخرى. في ضوء الموارد التي تم إنفاقها حتى الآن في الانتخابات، من المتوقع أن تكون نسبة المشاركة عالية وذلك للمرة الأولى منذ الانتخابات الرئاسية الأولى في عام 2003. وهذا يدل على درجة اعتبار الانتخابات نقطة تحول للحزبين السياسيين الرئيسيين “كولميه” و”وطني”. ويستميت كل من موسى بيحى وعبد الرحمن عرو للفوز بالمقعد الرئاسى والحلول محل الرئيس السابق “سيلانيو”. وعلى الرغم من أن كلا الطرفين يدركان العواقب السلبية المترتبة على العشائرئية في سياسات صوماليلاند، فإن الحملة الانتخابية لا يزال يسيطر عليها حتى الآن دور العشائر أو العشائر الفرعية لدعم مرشح القرابة. وتتميز المحطات التلفزيونية الصومالية الفضائية بانتظام عمليات التحشيد لواحدة من العشائر الفرعية بانضمامها إلى حزب “كولميه”، في حين تنضم أخرى إلى حزب “وطني”.

إن ما يجري من استخدام اللاعبين السياسيين

العشائرية بصورة علنية، والتي أصبحت تمثل رمزا للسياسة في صوماليلاند، إن هذا النمط السياسي قديم الطراز يفتقر إلى أي شكل من أشكال الفكر السياسي الحديث. وعليه فإن الرسالة ذات الطابع العشائري للتحضيرات الجارية للانتخابات الرئاسية، هي رسالة كئيبة يغلب عليها استخدام أساليب الاستبعاد وتهميش شرائح المجتمع، وهو ما قد يعرض استدامة ما تحقق بالفعل للخطر.

 

 

ترجمة: فريق المركز.

 

تأليف: محمد حاجي إنغريس

 

المصدر: مجلة الدراسات الصومالية.

عن قلم التحرير

شاهد أيضاً

إشكال الهويّة لدى الصوماليين

الهوية وإشكالها لدى الصوماليين: تلعب الهوية لدى مجتمع من الناس دورًا كبيرًا في تحديد الاتجاهات …